تأتي دعوات التكفير والإلغاء التي يطلقها "الغرياني"، داعية الفكر الظلامي برعاية قطر وتركيا، لتكشف حقيقة هذه الأنظمة ودورها في نشر الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وحرف البوصلة عن كون تركيا المحتلة لليبيا هي العدو الأول لبلد الشهيد عمر المختار، ولذلك يحاول "الغرياني" الحامل للفكر الظلامي الأخواني، هدم المجتمع العربي الليبي وضرب تعايشه ووحدته عبر نشر التطرف وبث التفرقة بين أبناء الوطن الواحد. فقد أصدر مؤخرا، المفتي الليبي الصادق الغرياني وخلال حضوره الاعتيادي على قناة التناصح، فتوى تكفر عناصر الجيش الليبي وتبيح التعامل معهم كبغاة، بما يعني وضعهم موضع الكفار الواجب قتل أسراهم وجرحاهم، بطريقة تشبه إلى حد كبير طريقة تعامل تنظيم داعش ونظرائه من المجموعات الإرهابية.

يزخر تاريخ "الغرياني" بالكثير من الفتاوى الشاذة، التي يطلقها تحت غطاء ورعاية من فايز السراج، حيث يقدم نفسه عبر قناة "التناصح" الإخوانية من تركيا بتمويل قطري، كمُفْتٍ لليبيا، والتي أطلق فيها الكثير من الأحاديث الفاسدة له، ومنها قوله إن "البرلمان والجيش الليبي من البغاة الواجب قتالهم"، وأخرى ادَّعى فيها أن الحرب في ليبيا هي حرب بين الإسلام والكفر، وتحريضه لأتباعه على دعم قوات فجر ليبيا، فضلاً عن دعوته كل القادرين على التوجه لبنغازي للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية، واصفًا ذلك بـ"الجهاد. "كما أفتى بإباحة القتل وإراقة الدماء في ليبيا، وفي الوقت نفسه قدم الشكر لدولة قطر على مد ليبيا بالأسلحة معتبرها مساعدات من الدوحة، بينما وافق على العمليات الإرهابية وتفجير الشباب أنفسهم ضدّ قوات الجيش الليبي، واصفًا القرى التي انتفضت لدعم الجيش بأن أهلها "كفرة وصهاينة وأعداء للإسلام"، فيما اعتبر التفجيرات التي شهدها مجمع المحاكم في مصراتة أكتوبر 2017 أنه "غضب من الله لتراكم القضايا".


إن الفكرة المحورية  التي تقوم عليها فتاوى "الغرياني" وتؤسس لها عبر إيديولوجيا دينية، هي أن فكرة الوطن والوطنية مسألة مرفوضة وصنمية ما يعني عملياً إسقاط فكرتي الوطن والأمة والتأسيس على الحامل الديني ليكون رافعة الفكرة الجامعة التي لا تقبل الآخر المختلف ليس في الدين فقط وإنما في المذهب ذاته وهو ما يلحظه الجميع من خلال المجازر وأشكال القتل التي ترتكبها الميليشيات والجماعات الإرهابية الأخوانية، دونما استثناء لأحد، وكذلك الخطاب المتطرف الذي تصدره وتعلن فيه ذلك بصراحة ووضوح مع سعي حثيث  للتأصيل العقيدي لذلك بالرجوع إلى بعض الأحاديث والاجتهادات والفتاوى الدينية  التي يصدرها "الغرياني" التي تخدم  الفكرة التي تسعى تلك التنظيمات لتسويقها في الوسط الديني أملاً  في اجتذاب  جمهور واسع لها من خلال الترويج للنموذج والفكرة معاً.


ويدخل في باب المريب والعجيب أن يلقي ''المفتي الغرياني'' عقله وعلمه وفهمه في سلة المهملات، ويغرق نفسه والآخرين في الدم والجُرم، توهما منه أنه العقل والإيمان والفضل، وأنه المكلف من الله سبحانه وتعالى بالنهي والأمر، في كل ما يجوز وما لا يجوز فيه الأمر والنهي، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق... ومن باب الغريب والعجيب أيضا أن يرى ''الغرياني'' فيمن يعارضه ويعارض جماعة الأخوان الإرهابية المسلطة على رقاب الليبيين، أن يرى في كل من لا ينفذ فتاواه الإرهابية، عدوا لدودا، وليس موضع ثقة، ولا صاحب نُهَى، وأنه ممن لا يجوز لهم، أو يجوز معهم، تداول وتعاون في أمر يهمهم المواطنين جميعا، ويصلح لدنياهم، إذ نترك أمر دينهم لمولاهم؟! وأن يحكم على الوطني القابض على الجمر، بأنه لا يفهم، ولن يفهم، إلا بمنطق القوة والاجتثاث... وليس بمجرد قوة محكومة بالحق والعدل والقانون والشرع والدين، يُلوَّح بها لتردع وتضبط وتخيف، لا سيما مع من هم شركاء في الوطن والمواطَنة والقرار والمصير، وشركاء في الهوية الثقافية والقيم والدين، وفي ضريبة الدم...؟! أليس هذا أمرا أعجب من عجيب، وما يزيده عُجبا وغرابة، درجات ودرجات ودرجات، أن يتحالف ''الغرياني'' مع المحتل التركي والغربي، ضد شعبه ووطنه ودينه، وأن يرى فيه نصيرا على ابن أمته ووطنه ودينه؟! 


فتلك الوقائع وثائق لا تُدحض... صار الموت بليبيا بالجملة مثل الموت بالمفرق، كله موت. ولكن "الغرياني" مادام لا يشعر بقتل إنسان فرد، فلا يحق له أن يدعي بأنه يملك وحده الشعور الحق، عندما يتعلق الأمر بقتلى أكثر عدداً... وليذكر قوله تعالى:﴿ .. أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا... إلى آخر الآية 32 سورة المائدة.

"الغرياني" داعية الحرب والقتل، واستخدام القوة للقوة، والشرِّ للشر، عَكَرٌ مطلَق، وبصٌرٌ بلا بصيرة، وهو عبء على علاقات الناس، وعلى أخلاقهم وقيمهم، وعلى حياتهم... ويجب ألَّا ينقادَ الناسُ له، لأن في ذلك تَهلُكة، وإطاعة للمخلوق في معصية الخالق، ففتنة الحرب قتل، والفتنةُ أشدُّ من القتل، وفيها تَهلُكة، وقد نهانا اللُه، سبحانه وتعالى، عن أن نلقيَ بأنفسنا إلى التَّهلُكَة:﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). 195 سورة البقرة.


وعلى أرضية ما يدور من اقتتال داخل ليبيا، وفي هذا المجال ربما تصح دعوة المفتي "الصادق الغرياني"، إلى التأمل في الآتي: ما دمت تفتي بالقتال ضد الجيش العربي الليبي وكل من يعارض منهجك الإرهابي، وتدعي أنك أكثر اتباعا للإسلام وفهما له... فلماذا لا تتسابق في تطبيق أحكامه التي فيها إنقاذ الإنسان الليبي وتكريمه وتحريم إراقة دمه، بدلًا من إراقة دماء الأبرياء؟! لكن يظهر أنك تدعو للاقتتال باسم الإسلام، وتطعن الإسلام في مقتل، وتدعي أنك إنما تفعل ذلك في سبيل الله ونصرةً لدين الله؟! ألا إن هذا ليس هو الخطل والخبل، وإنما ما هو أبعد من ذلك بكثير... إنه انغلاق عقلك وقلبك، وعمى بصرك وبصيرتك... وابتعاد تام عن نور الله وكتابه وسنة رسوله.


للأسف الشديد فالشيخ"الغرياني"، لا يحرص في فتاواه على أن يصون ما ينبغي أن يُصان من حيوات وقيم وأحكام، ولا يلجأ في أثناء السعي إلى بلوغ غاياته بصدق، بل يلجأ إلى الخديعة والمكر، و إلى تحريف ما لا يجوز تحريفه، و تأويل ما لا يحتمل التأويل، ولي عنق الكلام والمنطق ليلائم هواه ومنطقه وجماعته الأخوانية... اعتمادا منه على حذلقة، وفذلكة، وضَرابة لسان... ويعمَد إلى ضرب القرآن بعضه ببعض، مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال للذين تحاجوا بآيات من القرآن ضد آيات منه، في حديث مرفوع رقمه 288: (حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَبُو هَاشِمٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُصَبُّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ، وَقَالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ إِلا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) سورة الزخرف آية 58. 


وفي رواية أخرى قال: (أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم مما ههنا في شيء انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه). لكن يبدو أن هذا المبتغى بعيد. ونحن منذ متابعاتنا الأولى للأزمة الليبية، التي غدت كارثة وطنية وقومية وإنسانية، وفتنة قبلية... لم نقف على توجه صادق خالص مخلص نحو هذا الهدف، يجنب ليبيا والأمة كارثة بهذا الحجم الرهيب، وما تنتجه الحرب من كوارث تتوالد، أو تنذر بالتوالد، في توسع مجنون للجنون... الذي ينتج جماعات إرهابية تلقى متعة في أن تفتك وتلغ في الدم والجرم، لتصبح الإرهاب والبغي.

والمؤكد عندنا، أنّ "الغرياني" يعيش وهم المعرفة ووهم السلطة ووهم الحرية والسيادة وحتى وهم التديّن، ويدرك ما آل إليه حاله من ضعف ولكنه لا يستطيع الخروج من تلك الحالة ليرى نور الحقيقة فيهرب إلى الأمام، ويقوم بما يؤمَر به حتى لو طلب منه أن يأكل لحمه حياً ولحم أخيه ميتاً!؟ جهل العقيدة والتاريخ والتراث، وضعف الإيمان بالله وبالوطن والشعب، وسطحية الذات بل تفاهتها لدى "الغرياني"... هي الأسباب التي جعلته وتجعله يتطاول على الجيش الليبي وعلى كل شريف وحر ليبي، بسطوة وسلطة وسوط، ويصبح نقمة على الدين والأمة... 


إن تطاوله بعنجهية وعجزه بجهالة عن رؤية قِزَمِ قامته، هو ما أعلى له مراتب، ورفع به منطق الإمَّعات الطامعين الظالمين المدمرين لشعوبهم وحقيقة دينهم، لأنه في حقيقته المطأطأ الرأس ذلة وخضوعاً أمام من يعادي أمته ودينه وشعبه... يوالي من نهاهم الله عن موالاتهم بنص صريح هو قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) 28 سورة آل عمران. 


و ''الغرياني'' يدرك وكل معنيِّ ومسؤول من أولئك الذين ''يرفعون قاماتهم فوق قامة الشعب الليبي وليبيا؟!''، ويرون الناس والأرواح والدماء والمعاناة المرة مجرد أرقام، وقطع تبديل، وأدوات، في خدمة طموحاتهم العظيمة؟!''... يدركون أن مزيدا من الحرب تعني مزيدا من الجنون، والموت، والدمار، والضعف، والحقد في أوساط الليبيين، وأنها إنما ترسخ الانهزام أمام تركيا العدو المحتل لليبيا، بعد الذي "أنجز؟!" من تخريب وتدمير للجيش والبنى التحتية والعمران والصناعة والزراعة، والثقة بين أبناء البيت الواحد، الوطن العزيز... مما هو معروف للقاصي والداني... ويدركون أن أي حل عسكري، مهما كانت ضروراته وأهميته ونتائجه، إنما هو بداية لمرحلة جديدة من الحرب وليس نهاية تامة وشاملة ودائمة لها، لأن كل الجراح ستؤلم أكثر عندما تبرد أكثر، ولأن الثارات ستكبر، والهامات ستبقى تصيح مطالبة بذلك الثأر لها ولمن امتهن القتل. 


ويدرك "الغرياني" ومشغليه، أنه حينما يؤول أمرهم جميعا إلى الهُزال التام، سيتقدم عدوهم الألدّ، عدو شعبهم ووطنهم ودينهم وهويتهم، ليسحق من لا يستسلم له، وليضع المستسلمين له في خدمته، وتحت احتلاله، ورهن برامجه البطيئة المعتَمَدة للإبادة، إبادة الجسد وإبادة الإرادة. وفي ظني، بل في يقيني، أنهم جميعا يدركون أن حلًّا سياسيًّا توافقيًّا سيكون في صالح كل منهم، وفي صالح الشعب والوطن والأجيال القادمة من الليبيين، الذين يعاني أطفالهم من الأمية والأنيمية والجوع، ومن انعدام فرص التربية السليمة، والتعلم بدرجاته ومستوياته وأبعاده وفوائده، ومن سلامة النمو العقلي، والروحي، والثقافي، والوطني، والإنساني السليم، بسبب، وبعد كل، ما أصابهم من فقر، وقهر، وجوع، وبؤس وتشريد، وخوف.


خلاصة الكلام: إن ليبيا باقية، وسوف تستعيد مكانتها، وقوتها، وحقوقها، بقدرات شعبها... ولكن على الليبيين أن يدركوا أن من أباح بلدهم، واستباحها، ودمرها، وأفقرها، وشرد شعبها، وهدَّم عمرانها، وأسلم مقاديرها لغير أهلها... لا يمكن أن يبنيها ويستعيد لها القوة، والمنعة، والاحترام، والحقوق، والمكانة، والدور المحوري في المنطقة... وأن استعادة ليبيا، بالمعنى الشامل، والكامل، والقادر... لن يتم إلا على أيدي ليبيين غير مرتهنين، بأي شكل من الأشكال لآخرين، أياً كان شأنهم، ودورهم، ومكانتهم... ولن يحقق ذلك تجار الدين والسياسة ولا من يشهرون السلاح بوجه بعضهم بعضا فيقتلون الشعب والوطن ويتساقون كؤوس الردى ويخسر الشعب والوطن... 


والمدخل إلى ذلك أن يقوم العقلاء والحكماء والأوفياء للوطن والأمة والدين، والعارفون بأصول الحكم والفقه والسياسة... تدعمهم جموع الشعب ممن تضر وتأثر ويتضرر باستمرار الوضع البائس ويتضرر، بوضع اليد على يد كل متطرف ومتسلط، وكل حامل سلاح همه القتل... لكي نضع حدًّا للفوضى والقتل، ومن ثم العمل على رد كل المظالم بالعدل وتحكيم العدل وترسيخه، ورد كل أمر يحتاج إلى حكم عادل فيه إلى قضاء عادل... وإذا لم نفعل ذلك بمسؤولية وسرعة، فإننا نسهم في وضع الحطب على النار، وفي رمي الناس جماعات وأفرادا فيها، ليكونوا وقودا لها... فنخسر الدنيا والآخرة، ونخسر النفس والروح في الدنيا والآخرة.