كشف وزير الثقافة الاتحادي الأستاذ الطيب حسن بدوي عن ما دار بينه وبين المثقفين من خلال عدد كثيف من اللقاءات التي تمت في الآونة الأخيرة لمراجعة وتقييم الأداء الثقافي والإبداعي في البلاد ومطلوباته، قائلاً في حديثه لـ «الانتباهة»: لقد لمست حالة من الإحباط غير الاستعداد للعطاء والتفاعل متوفر لدى المبدعين وذهب إلى ان الضمان الوحيد لعدم تعرض الوزارة مجدداً لحالة الدمج والالغاء هو مدى تفاعل المثقفين والمبدعين مع المشروع الثقافي في إطار الإستراتيجية القومية كما تطرق في حديثه إلى عدد من القضايا المتعلقة بملف الرياضة الذي أسند له في الفترة السابقة إلى جانب ملف قضية جبال النوبة الذي يعتبر شريكاً رئيساً في إدارته عبر دائرة المؤتمر الوطني.

< تعيينك في الوزارة جاء في إطار وزنة قبلية؟

> ليس بهذا الفهم مع استصحابنا لهذا البعد لكن وجودي في وزارة اتحادية هو امتداد للمرحوم عبد الوهاب عثمان وأميرة الفاضل والمتعافي وإشراقة سيد محمود وغيرهم. من الوزراء الذين مروا للحكومة الاتحادية عبر بوابة حكومة ولاية الخرطوم ولكن هذا لا يعني أنني لا أمثل امتداد لمنطقتي ولقضايا مناطق جبال النوبة بل أنا امتداد للشهيد بلايل وعيسى ضيف الله.

< البعض يرى أن لملف الرياضة الفضل في نجوميتك وتقديمك؟

> لا أنكر هذا فقد ساهم المجتمع الرياضي كثيراً في صعودي فملف الرياضة ملف ساخن وإنتاجه غزير وقضاياه متجددة خاصة في ولاية مثل الخرطوم تمثل الثقل الرياضي والثقافي للسودان وأرى أيضاً أن نظام القوانين والحكم الذي أعطى حكومة الخرطوم حق تنظيم النشاط الرياضي وإدارة فرق القمة التي تلعب على المستوى الإقليمي كان له أثره في بروزي على المسرح السياسي والرياضي ولذلك أنا شاكر للأسرة الرياضية وللمجتمع الرياضي عموماً ولدكتور الخضر في ولاية الخرطوم أتمنى أن أكون قد قدمت لهذا القطاع ما يفيد وينفع في تطوير الرياضة بالبلاد.

<  ما هي الحقيقة وراء اختيار الحاج عطا المنان لرئاسة لجنة تسيير الهلال.

> لقد رشحه الوالي د. عبد الرحمن الخضر شخصياً

< ولماذا الحاج تحديداً؟

> لحزمه ومرونته وتمازج تجاربه على مستوى الوطن في شقيها الاقتصادي والسياسي وسعة أفقه وقد كان لإشراف الرئيس البشير على المشروع الرياضي الوطني أثره الحاسم في قبول عطا المنان بالتكلف وأعتقد أن نتائج الهلال الأخيرة أولى البشريات بتوفيق القيادة العليا في اختياره لهذه المهمة.

< يقال إنك مارست الخيار والفقوس في ملف الرياضة ـ انطلاقاً من انتمائك الرياضي للهلال؟

> كل هذا غير صحيح علاقتي طيبة مع المجتمع الرياضي.

< هل أنت متفائل بتحقيق النجاح في ملف الثقافة كما نجحت في الرياضة؟

> لست متشائماً النجاح والفشل يقرره القطاع الذي يعمل معك ويتوقف ذلك على درجة انسجامه وتفاعله مع قضاياه.

< كيف وجدت الوزارة؟

> الدولة بذلت مجهوداً كبيراً فيها كل البنيات الثقافية متوفرة لكنها تحتاج لكثير من التفعيل والتجديد والمواكبة.

< وماذا فعلتم بعد إمساككم بملف الثقافة في هذا؟

> استمعنا لقطاع المثقفين ماذا يريد من الدولة وما هي رؤيته بالوقوف على الإستراتيجية الثقافية والخطة الخمسية الثانية 15 ـ 2016م

< وكيف تقرأون مخرجات لقاءكم بالمثقفين؟

> بصراحة يوجد شيء من الإحباط هذا ما لمسناه من خلال لقاءاتنا بالمثقفين والمبدعين لكن الاستعداد متوفر للتفاعل مجدداً.

< وكيف يتم التفاعل الذي يحدث الحراك الثقافي المطلوب؟

> نرى في عودة الوزارة حالة من حالات التفاعل المطلوب بين المثقفين والدولة ونحن الآن نعمل على إعادة الهيكلة ونضع من الخطط والمناشط ما يوفر عناصر التفاعل، ويحدث الحراك الثقافي المباشر وقد نفذنا في الآونة الأخيرة جولات على عدد من الولايات وقفنا من خلالها على حجم الحراك الثقافي ومطلوباته من بنيات ثقافية.

< الحكومة تتعامل مع القطاع الثقافي كمسألة طارئة أو هامشية؟

> هذا مفهوم غير صحيح من المهم أن نفهم أن الثقافة في الأصل حراك مجتمعي وليس حراك للحكومات والحكومة واجبها يقع في إطار التنسيق والسياسيات الكبيرة والإشراف بتوفير المعينات والقوانين واللوائح المنظمة للأنشطة الثقافية.

< ولكن هذا الدور أيضاً غائب؟

> كما قلت لكم الثقافة عمل مشاركة ما بين الدولة والمجتمع وفي المجتمع القطاع الخاص له دور كبير فلابد من الأضلاع الثلاثة الدولة والمجتمع والمثقفين وغياب أي من هذه الأضلع الثلاثة يحدث الاختلال وليس دور الدولة وحده.

< نلمس في الآونة الأخيرة تبني مؤسسات وشركات خاصة لأعمال ثقافية؟

> نعم وهذه مبادرات جيدة تدعم الرؤية التشاركية التي أشرت لها.

< ولكن هل تلتزم هذه الشركات بموجهاتكم ولا تفرض عليكم رؤيتها؟

> أي منشط يتم تحت إشرافنا المباشر وهذه مسألة ما فيها أي مجاملات ولكن العمل الثقافي عموماً ليس فيه اشتراطات هو إبداع مجتمعي.

< ولكن الدولة متهمة بإهمالها للمبدعين؟

> ليست في مقام الدفاع عن الدولة لكن الناس أحياناً تتحدث على مزاجها وقد تنظر لواقعة واحدة على حساب كم هائل من الإنجازات العظيمة التي حققتها الدولة في رعايتهم وعلى سبيل المثال قمنا بزيارة لمنطقة كرمكول للاحتفاء بالأديب الطيب صالح وأعلنا شراكة ثلاثية مع الولاية الشمالية لانشاء مجمع ثقافي تخليداً لذكراه  أليس هذه واحدة من الاهتمامات الإيجابية من الدولة تجاه المبدعين والبقية تأتي.

< برأيك كيف تقيمون الأداء في جائزة الطيب صالح التي ترعاها شركة زين؟

> راضون عن المجهود الذي تقوم به شركة زين واللجنة التنفذية للجائزة برعاية البروف علي شمو فالجائزة تطور أعمالها من حين لآخر ولم يتراجع مستوى الأعمال التي تتنافس على الجائزة وقد شهدت الدورة الأخيرة مشاركة لعدد من الدول بلغت 500 من الأعمال الأدبية المخلتفة وهذا يدل على تطور مشروع الجائزة من المرحلة الأولى إلى الرابعة وراضون عما يقدم من أعمال.

< رغم ذلك لا نلمس سيادة الوزير دوراً للدولة في رعاية المبدعين الذين تفتك بهم الأمراض ويموتون من الإهمال بدول المهجر؟

> كانت واحدة من مطلوبات إعادة هيكلة الوزارة هي وضع الوزارة بكل وحداتها في خدمة المثقفين ورعاية المبدعين.

< أليس من خطوة عملية لرعاية المبدعين؟

> حالياً ننظر في الصندوق القومي لرعاية المبدعين ونرى أن فكرته رائدة واستطاع القائمون عليه خلق النموذج الذي يسهم في رعاية المبدعين ونحن تقع علينا مسؤولية تفعيل الصندوق واعطائه الثقة للتعبير عن قضايا الابداع والمبدعين. ولا أريد ان أستبق الاشياء ولكن الايام المقبلة ستشهد مفاجآت كبيرة تحرك الصندوق في اتجاه دوره الحقيقي لخدمة الابداع والمبدعين وتسهم في استقرار اوضاع المبدعين للمستوى الذي نتطلع إليه.

< وهل ستكون إجراءاتكم هذه بمثابة صمام أمان لاستقرار الوزارة التي تعرضت كثيراً للالغاء والدمج مما ساهم في تغييب دور الثقافة في قيادة المجتمع؟

> حضور المشروع الثقافي في صناعة القرار السياسي ومساهمته في حل الاشكاليات ومواجهة تحديات الامن القومي والانتاج الصناعي مواجهة العولمة والتحديات الخارجية هذه تمثل أهم ضمانة لاستقرار الوزارة، أما اذا انصرفت الوزارة للنشاط الثقافي اليومي فهي قد لا تشكل معيناً لادارة دولاب الدولة فالثقافة هي اساس مشروعات التنمية الشاملة، واعتقد ان خطاب الرئيس في 27 يناير يشكل أساس لاكمال تأسيس الدولة السودانية التي تقوم على السماحة والتدافع والانتاج وهو خطاب يقوم على مرتكزات ثقافية تمثل عصب الحياة السياسية في البلاد ولذلك الخطاب أسس لأرضية جيدة لحراك ثقافي كبير تتشارك فيه الأمة بمكوناتها المختلفة عبر وزارة الثقافة ومؤسساتها وهذا ما أدى لاستنهاض دور الوزارة من جديد.

< بمناسبة خطاب الرئيس وحديثه عن الهوية والثقافات هناك تململ واضح في المجتمع السوداني حول هيمنة ثقافية محددة؟

> هناك فرق بالطبع ما بين الهيمنة والاحساس بالهيمنة وحينما نقول هيمنة هذا يعني أن هناك نظماً وقوانين وإطار عام موجه لابراز ثقافة محددة ولكن هناك مجرد شعور من بعض أبناء السودان بعدم الاهتمام بمشروعاتهم الثقافية وهو إحساس ناتج من عوامل نفسية وتاريخية.

< أحياناً يوجد ممارسة وسلوك يوحي بالهيمنة؟

> هذه من الأخطاء الكبيرة ولا أنكر أننا نعاني من تحديات في بروز حالة السلوك محل الاعراف والقوانين وهذه واحدة من الاشياء التي تعطي احساساً باحادية المشروع الثقافي.

< وما هي المعالجة لكل التناقضات السابقة في الانحراف الثقافي؟

> نرى أولاً ان اطارنا لنهضة المشروع الثقافي يجسده ما ورد في الإستراتيجية القومية والخطة الخمسية 12ـ 17 التي من مرتكزاتها الاساسية التنمية الثقافية بمفهومها الشامل والمرتكز الثاني ادارة التنوع الثقافي وخلق المشروع الثقافي الذي يعبر عن الخارطة الجغرافية للوطن.

ولذلك فإن التنمية الثقافية بمفهومها المادي والمعنوي في إطار البنيات التحتية من مسارح ومباني وغيرها تقع على ثلاثي الحكم  بمستوياته القومي والولائي والمحلي يضاف إليها مجهودات المجتمع والشركات الخاصة. أما في إطار تعزيز إدارة التنوع فواحد من أبرز التحديات محاولة توظيف بعض المشروعات السياسية للمشروع الثقافي وهذا ناتج من الصراع السياسي الموجود في البلاد ولكن التنوع بمفهومه الواسع يعني كل التفاعل والحراك للموارد البشرية والمادية في القطر وهذا ما يقع علينا تعزيزه ولكن الصراعات السياسية قادت المشروع لمفهوم ضيق ونحن عندنا قيم مشتركة سودانية أصيلة رغم تباين تراثنا وثقافاتنا وإدارة التنوع تحقق الثراء الثقافي وأي انكماش فيه يؤدي لصراع ثقافي بمعنى أن أي انكماش في المشروع الثقافي يظهر التباين والتباين سياسي دائماً.

أما الريادة التي نعنيها أن يظل المشروع الثقافي الوطني في منطقة عليا مزاحماً للمشروعات الثقافية بشقيها العربي والإفريقي والعالمي. وهذا يعبر عنه من خلال أبناء السودان المنتشرين في كل المحيط الإقليمي والعربي ومؤسسات الدولة في المهاجر المختلفة نشير إلى نموذج «الشاب الراعي» الذي استطاع أن يعبر عن مشروع الثقافي الوطني بكلمات محدودات أحدثت صدى إقليمياً وعالمياً كبيراً وغيره من النماذج المختلفة.

< وما هي أهم المشروعات التي نفذتموها؟

> الوزارة احتفلت بذكرى الاستقلال ثم أحيينا مشروع السينما السودانية من خلال الاحتفال بمئوية شمال كردفان مع والي شمال كردفان مولانا أحمد هارون بالتعاون مع اتحاد السينمائيين السودانيين. والسودان فيلم ڤاكتوري بجاني رعاية الوزارة لمهرجان السينما السودانية برعاية شركة دال والسودان فلم ڤاكتوري والآن تنفذ الوزارة المهرجان السينمائي الاثيوبي من خلال التنسيق مع ديوان الحكم الاتحادي وتم استقبال الفرقة الاثيوبية بشراكة مع الفرقة السودانية القومية حيث تنفذ الفرقتان جولة بدأت بولاية الجزيرة والنيل الأزرق وشمال كردفان وستقدم عدداً من الأعمال الفنية الكبيرة في الخرطوم.

وتقود الوزارة ترتيبات لاقامة ملتقى وزراء الثقافة بالولايات كما نعمل مع اتحاد عام عمال نقابات السودان لاقامة المهرجان الأول للعمال من خلال اللجان التحضيرية.

< وهل لكم مشاركات ثقافية عالمية في الآونة الأخيرة؟

> شاركنا في المؤتمر الثامن لوزراء الثقافة الاسسكو الذي عقد بالسعودية والمدينة عاصمة للثقافة 2013 ونرتب لإعلان سنار عاصمة للثقافة 2014. وشارك وفد من الوزارة في ختام مهرجان بغداد عاصمة للثقافة العالمية 2013 في فبراير الماضي.

< برأيك لماذا ظلت قضيتكم في جبال النوبة تراوح مكانها منذ تمرد 1985م ليوسف كوة؟

> السبب الرئيس هو طموح مؤسس الحركة الشعبية الراحل جون قرنق في الاستفادة من الجغرافيا والتنوع الواسع لجبال النوبة والإنسان المتسامح الذي تميز بخصائص القوة والعزة لخلق ارضية توسعية لنفوذه مما أدى لتطاول أمد الصراع وهذا بصراحة ما وراء تصفية قيادات الصف الأول وتهميش بقية القيادات او تهجين المنطقة بمشروعات ثقافية وسياسية وبشرية جديدة كنموذج ياسر عرمان واليسار وبذلك تداخلت عدة عوامل واجندة إقليمية ودولية يضاف إليها عدم الاطمئنان والثقة من ابناء النوبة تجاه مركزهم في الخرطوم لعوامل تاريخية موضوعية وثقافية كل هذه التقاطعات أدت للقرار 2046 وما يجري من تفاوض في اديس ابابا ما هو إلا لترسيخ مشروع جون قرنق في جبال النوبة.

< ولكن السيد الوزير حتى البرتكول الذي خصص للمنطقة تجاوزتموه لصراع جديد.

> ما حدث من اتفاق في نيفاشا لم يؤسس على المشكل الحقيقي لجبال النوبة حتى تراعى فيه المعالجات المنطقية والبيئة الوطنية المستقلة عن جنوب السودان ذات المشتركات الكبرى مع مركز الدولة السودانية في الخرطوم وهذا ما ادى لتجدد النزاع. الشاهد ان السودان يخطو بقوة في شأن إطار التدافع على إعادة البناء من خلال ما تقدمه الدولة من رؤية قومية للحوار لكن في نفس هذا الوقت لم تكن جبال النوبة حاضرة مما يجعلها في مؤخرة المشروع الوطني.

< ما رأيكم في القرار 2046 الذي ربط حقوق المنطقة بقطاع الشمال؟

> القرار هو محاولة لإعادة قوانين المناطق المقفولة بشكل جديد.

< لكن تغيير حصل في مفهوم قضية جبال النوبة؟

> لقد استطاعت الإنقاذ من خلال حكومة القاعدة العريضة أن تحدث مفهوماً جريئاً في قضية جبال النوبة من خلال حراك التعليم بشكله الواسع وحراك الإعلام والتنوير من خلال التواصل وشرح المشروع السياسي الشامل. مكنت أبناء النوبة أن يكونوا مشاركين في القيادة بقوة لذلك قلت الأحزاب الإقليمية والمناطقية وما عادت للأحزاب التي تتبنى القضايا المناطقية تأثير أقوى من تأثير المؤتمر الوطني على المنطقة.

< ولكن هناك من يطالبون من أبنائكم الحكم الذاتي؟

> لا يستطيع أحد أن يتحدث عن الحكم الذاتي يطرح في إطار حالة من حالات الإحباط لتعزز مشروعات سياسية مهزومة، اتفاقية السلام أشارت لوجود حق المشورة الشعبية التي تمكن أبناء المنطقة من تقديم المقترحات في إدارة العلاقة بينهم وصناع القرار ولم تكتمل المشورة الشعبية ولذلك أي حديث عن حكم ذاتي تعبير أحادي شاذ لا يمثل مجتمع النوبة.

*صحيفة الانتباهة - حوار: هدية علي